حيدر حب الله
395
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
الحديث ؟ فإذا لم نعثر على دوافع فإن شواهدنا التاريخية قد تصاب بشيء من الخلل أو الشلل ، ولهذا يحاول الأنصاري تقديم مبررات تصلح دافعا حثيثا لتأكيد منطقية ظاهرة الاهتمام هذه ، وهذه الدوافع هي : 1 - كون الروايات أساس الدين ، فمن المنطقي والمترقب أن تكون لديهم اهتمامات بالغة بها بحكم تدينهم وولائهم الإيماني والمذهبي . 2 - ما يمكننا أن نعبر نحن عنه اليوم بطبيعة الأشياء ، أي إن الناس لا ترضى أن تدوّن في الكتب المكذوبات والمدسوسات فيما لو كانت تعنى هذه الكتب بالشأن الدنيوي ، فمن المترقب جدا أن لا ترضى بذلك في كتب تودع علوم الدين وأحكامه ومفاهيمه . 3 - إن شواهد مؤكّدة تثبت أن أئمة أهل البيت عليهم السّلام قد أعلنوا عن وجود الكذابين والوضاعين ، مطالبين شيعتهم بالحذر منهم ، ومن المتوقع جدا أن تحصل في الأوساط الشيعية ردّة فعل إزاء هذا الإعلان الخطير ، ولا معنى لردّة الفعل هذه سوى إبداء اهتمام الشيعة وحذرهم في أمر الحديث والاهتمام به وعدم التساهل فيه « 1 » . بهذه الطريقة تتبلور في عقل الإنسان حالة اليقين الإجمالي بصدور كثير من هذه الروايات ، مما يدفع تنجيز العلم الإجمالي للعب دوره على هذا الصعيد . لكن ألا يجد القارئ معي أن الأنصاري ومن أخذ بهذا الدليل قد وقعوا تحت تأثير المقولات الأخبارية ؟ أليست هذه هي منهاجيات الأخباريين في التعامل مع الموروث الحديثي ؟ بالتأكيد نعم ، لكنها ليست متطابقة ، ولهذا يحذر الأنصاري نفسه أن لا يفهم خطأ ، فهو لا يريد بشواهده هذه تصحيح مقولات الأخباريين في يقينية الكتب الأربعة أو غيرها ، بل مجرّد علم بصحّة عدد وافر من رواياتها ، مع الاعتقاد بأن عددا آخر لا يستهان به لا تناله يد اليقين كما حصل مع الأنصاري « 2 » . هذا هو ما يمكننا أن نعتبره أقوى الأدلّة العقلية التي جاءت بها الحقبة المتأخرة ، حتى أن أصوليا ممتازا مثل المحقق محمد حسين الأصفهاني ( 1361 ه ) وبعده الشهيد محمد باقر الصدر لم يوردا في مباحثهما العقلية في خبر الواحد سوى هذا الدليل « 3 » ، وليس ذلك - فيما نظن - سوى لأهميته وحضوره في الأوساط العلمية الشيعية .
--> ( 1 ) - الأنصاري ، فرائد الأصول 1 : 196 . ( 2 ) - راجع : المصدر نفسه : 170 ، وحول هذا الدليل وأشكال بيانه راجع : الخراساني ، كفاية الأصول : 349 - 350 ؛ والمشكيني ، حواشي الكفاية 3 : 343 - 344 ، وإن اعتبر أن صياغة الخراساني تختلف عن الأنصاري ، والإيرواني ، الأصول في علم الأصول 2 : 275 ؛ والصدر ، مباحث الأصول 2 : 599 ؛ والخوئي ؛ مصباح الأصول 2 : 203 ؛ ودراسات في علم الأصول 3 : 190 - 191 . ( 3 ) - انظر : الأصفهاني ، نهاية الدراية 2 : 238 - 244 ؛ والصدر ، بحوث في علم الأصول 4 : 409 - 421 ؛ ومباحث الأصول 2 : 599 - 629 .